خبر اعتقال قاتله أثلج صدرها

زوجــة الشهيــد «فقهــا» تتحــدث لـ "الاستقلال" عن "مازن" الزوج والأب والإنسان

زوجــة الشهيــد «فقهــا» تتحــدث لـ
مقاومة

الاستقلال/ ولاء الجعبري

استدعت ناهد عصيدة زوجة الشهيد مازن فقها ذاكرتها واستحضرت الموقف الذي أعلن فيه رئيس المكتب السياسي لحركة حماس اسماعيل هنية الكشف عن قاتل زوجها, فقد كانت مثقلة بتفاصيل كثيرة تُركت هكذا دون إجابة, إلا أن اتصالاً هاتفياً من أحد المسئولين في حركة حماس يوم الخميس الحادي عشر من الشهر الجاري طمأنها وأثلج صدرها بالخبر الذي كانت تنتظره على أحر من الجمر.

 

 وأذيع خبر اغتيال فقها مساء يوم الجمعة الـرابع والعشرين من مارس/آذار للعام الجاري, أسفل العمارة التي يقطنها في حي تل الهوى غرب مدينة غزة. بعد أن جلست قيادة حركة حماس في بيتها حوالي الساعة الواحدة والنصف ظهراً وتحدثوا معها بتفاصيل كثيرة, عقد المؤتمر الصحفي الذي تم الإعلان من خلاله أن القاتل أصبح في قبضة الأجهزة الأمنية بغزة, وأنه يجب أن يعرض على العدالة الثورية, في حملة أمنية حملت عنوان فك "الشيفرة 45", في إشارة إلى عدد الأيام التي استغرقتها وزارة الداخلية في سبيل الكشف عن تفاصيل اغتيال الشهيد مازن فقها.

 

فرحة عظيمة

 

ابتسامة أم محمد لم تفارقها طيلة حديث مراسلة "الاستقلال" معها, تقول:" استقبلت الخبر بفرحة عظيمة, كنت واثقة منذ الساعات الأولى لاغتيال زوجي أنه لا بد من القبض على قاتله", لكنها كانت تنتظر بفارغ الصبر الإعلان عن تفاصيل تنفيذ الجريمة لأن أسئلة كثيرة تثقل صدرها وتريد أن تعرف كيف كانت اللحظة الأخيرة لمازن, وكيف "هان" على القاتل إطلاق رصاصات غادرة على صدر ورأس زوجها.

 

ثم جاء موعد المؤتمر الثاني الذي عقد الثلاثاء المنصرم, إلا أن صدمة ناهد كبيرة بحجم ما وصفتها بـ"الوقاحة" وانعدام الضمير" لدى قاتل زوجها وهو يتحدث عن لحظة إطلاق النار على الشهيد مازن, تنهيدة من فم الزوجة الصابرة خرجت معها "حسبي الله ونعم الوكيل", فالألم يملأ قلبها على قدر فرحتها بخبر القبض على القاتل.

 

تسرح ناهد بمخيلتها وتتحدث شاردة الذهن دون أن تنظر نحو المراسلة قائلة:" حتى لو ألقوا القبض على العميل فلن يعود مازن", مستدركة حديثها :" لكنه أمر يثلج صدورنا وقلوبنا".

 

ناهد الأب والأم

 

ناهد التي فقدت الزوج والسند تحاول بكل جهدها أن تكون لأبنائها محمد وسما الأب والأم, فقبل استشهاد مازن كانت قادرة أن تكون لهم كل شيء خاصة في أوقات غيابه بالعمل, إلا أن ما يخفف حملها الآن, وجود أهلها بجانبها بعد مجيئهم قبل حوالي اسبوع إلى قطاع غزة.

 

الطفلين "المدللين" يسألان كثيراً عن والدهم الذي كان لهم كل شيء في حياتهم, وعن سؤالنا حول كيف حدثت ناهد أطفالها بخبر استشهاد مازن قالت:" بالنسبة لمحمد تحدثت معه بالتفاصيل التي يمكن أن يستوعبها عمره الصغير, لكنه دائم الطلبات من والده فهو يريد العصير والشو كلاته والكثير من الحاجيات أن يجلبها مازن, إلا أنني أعوضه بذلك وأجلب له كل ما يطلبه", أما بالنسبة لسما صاحبة العام والنصف فاكتفينا بالقول لها أن "بابا بالجنة" وهي التي ما فتئت تردد "بابا بالجنة" كلما سألها أحد عن مازن.

 

تحاول ناهد أن لا تغير شيئاً في حياة ولديها بعد استشهاد والدهم, فكل شيء سيكون كما السابق, وتحاول أيضاً بكل جهدها وصبرها وثباتها أن لا تظهر لهم ألمها أو ضعفها, فتحكي لهما القصص قبل النوم وتحدثهم عن مازن الخلوق, الصادق, الحنون, الوفي لها ولولديه.

 

دعوات كثيرة تطالب بأن تأخذ ناهد القصاص من قاتل زوجها بيدها, وحول سؤالنا عن ذلك أجابت :" إذا طلب ذلك مني فأنا سأعتذر, ليس جبناً أو ضعفاً مني, مع أنه حق مشروع إلا أن نفسي لا تسمح بذلك", مؤكدة على ثقتها بالأشخاص المكلفين بتأدية هذه المهمة, فمازن لم يكن لها وحدها بل لكل فلسطين كما قالت.

 

خمسة أعوام قضتها ناهد رفقة زوجها تعلمت منه الكثير من الصفات التي جعلتها تفخر به على الدوام, رأيه السديد وحكمته الكبيرة وطريقة احترامه للناس ولطفه معهم, فمازن الذي يتعامل بأخلاقه وطيبة قلبه يدفع الجميع إلى محبته وتقديره.

 

وعن الذكريات التي لا تذهب عن مخيلتها, عندما صعد مازن منصة حفل تخرجها قبل أسابيع فقط من حادثة اغتياله, فمازن الذي منعته ظروفه الأمنية لا يقف أمام الكاميرات ولا يحب الظهور الاعلامي ويسعى إلى ذلك ما استطاع, لكنه أراد أن يكرمها يوم تخرجها من الجامعة الإسلامية بأن حضر بحبه ووفائه يجلس بين الحضور, فكانت تنظر ناهد إلى زوجها وهي تجلس على المنصة حتى نادى عريف الحفل اسمها لاستلام شهادتها, فما لبثت أن وجدت مازن إلى جانبها يلتقط الصورة الأولى والأخيرة لهما معاً, فاعترتها كل المشاعر الجميلة, ولشدة تأثرها بكت يومها وأبكت الحضور أيضاً.

 

عهد ووفاء

 

ولارتباط الزوجين ناهد ومازن قصة استغرقت شهراً كاملاً من التفكير, فبعد بحثها ومعرفتها من يكون مازن, وافقت عليه رغم معرفتها بأنها ستغترب عن أهلها وجامعتها وأصدقائها, ومعرفتها بالطريق الذي سيسلكه مازن, إلا أنها تعتبرها كرامة من الله, ولو عاد بها الزمان لاختارت مازن من أول لحظة او لعرضت نفسها عليه كزوجة له فهو النعمة العظيمة التي كانت تستشعرها في جميع أوقاتها.

 

المقاوم والمطارد والأسير المبعد والشهيد, كان يسعى دائماً لأن تكون زوجته راضية عنه, وهي التي ما فتأت تغدقه بكلمات الرضى حتى بعد استشهاده, فبين الحين والآخر تردد "الله يرضى عليك يا مازن ويكرمك بالفردوس الأعلى".

 

تغرقه ناهد لتسرح بمخيلتها من جديد وتتذكر أيامه الأخيرة, التي كان يجلس فيها أكثر من المعتاد في المنزل ويسعى لأن يلبي جميع رغبات الأولاد, ولم تنس مشهد حمله لمحمد بين يديه وهو نائم في سيارته, قبل لحظات من اغتياله, والضحكات التي لم يبخل عليهم بها يوماً.

 

وتعاهد ناهد, كاتمة أسرار زوجها, بأن تحقق وصيته في أولاده يوماً ما بأن يكون ملتزمين بسنة الله ورسوله, وأن يكونا من حفظة القرآن الكريم, مطلقة العهد بأن يكون محمد "مازن الصغير", الذي كان بأخلاقه "قرآناً".

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق