الحياة على حافّة الموت.. عبد الله الشاعر

الحياة على حافّة الموت.. عبد الله الشاعر
أقلام وآراء

عبد الله الشاعر

هل قُدّرَ للفلسطيني أن يواصل حياته بمحاذاة الموت، وأن يظلّ مسكونًا بهاجسه على الدوام؟

 

في تلك البقعة المنسيّة من ضمير العالم يتعايش الغزيّون مع الحرمان، يُقلّمون بصبرهم ما استطاعوا من مخالب القهر، ويمضون إلى أقدارهم على حوافّ الموت صابرين.

 

في تلك الرقعة الجغرافية التي تكتظّ بالتاريخ، وتطفح بالروايات، يجثم الموت في أزقّتها الضيّقة، وعماراتها التي

تهرب عاليًا بعيدًا عن الاختناق، وأزمة الصراع على الوجود والسيادة...

 

يُطلُّ عليها الزمان خِلسةً؛ كي لا يُتعب ضميره، وتمرّ عليها عقارب الوقت بطيئةً وبائسة.

 

لا يمرُّ عليها شهر دون فاجعة، ولا يمرُّ عليها عامُ دون حرب...

 

الحرب في غزّة من متمّمات الملامح، والموت فوق ربوعها من مكمّلات الحياة.

 

أرأيتم مدينة تموتُ فيتذكّر المترفون أنّ ثمَّ بقعةً من الجغرافيا محفوفة بالفاجعة، ومطوّقة كالمعصم بالأحزاب؟

 

أرأيتم مدينة تحتفل بأعياد ميلاد فتيتها تحت القصف، وتُشعل الشموعَ فيهجمَ عليها الموت على شكل قذيفة أو حريقٍ أو طلقةٍ غادرة؟

 

في غزّة تنام الأُسرةُ بكامل أفرادها وأحلامها، وتصحو مبتورة الآمال، وبلا مأوى، وربما أجسادًا متلاصقةً في ساعة فزعٍ لكنها بلا حياة.

 

من لم يمت هناك بقصف الطائرات المُحمّلة بأحقاد اليهود، سيموت بالمرض، أو بالقهر، أو بالشموع التي تُعلن ميلاد البهجة، وتختم احتراقها بإزهاق الأرواح.

 

من أين تأتي غزّة بكل هذه القدرة على البقاء؟

 

من أين تأتي بكلّ هذه القدرة على الصمود؟

 

غزّة من طينٍ غير الذي عهدناه في المدن، ومن إرادةٍ غير التي حفظها التاريخ بين سطوره.

 

على مدار الوقت ترسم أحلامها على الرمل، فيقضم البحر بعضها، وتسرق الرياح نصيبها من غزّة، ويظلّ الغزيّون على ظمأٍ للحياة بلا موت، وللحياة بلا فقد، وللحياة بلا غزاة.

 

مع كلِّ محنةٍ تمرّ بها أرواحهم يُقدّمون تعريفًا جديدًا للصبر، وفلسفةً جديدة لانتزاع الحياة من مخالب الموت، لكنهم ليسوا على عداء دائم معه، كما أنهم ليسوا على وفاقٍ دائمٍ مع الحياة؛ فغزّةُ- رغم صلابتها- مشحونة بالعواطف، وحين تخلو بنفسها بعيدا عن المدن المترفة تبكي بغزارة، وتطوف على أحبابها الموزعين على المقابر والمنافي، وتعاهدهم-رغم اتساع جراحها- أنّها لن تتزعزع شبرًا من تحت مقاتل، وأنّها لن تعطي الدنية لسفّاحٍ أو مقاول.

 

ستدفن المدينة قتلاها على عجل، وستبكيهم كما اعتادت أن تبكي الضحايا... ترشُّ الجثامين بالورد والدموع، وتقطع مع مَن تبقى على قيد الحياة عهدًا بالصمود والمواصلة، فهي تخجل أن يراها العالم منكسرة، فتشدُّ على جرحها ببسالة؛ لتستمر رحلتها باتجاه الحياة.

التعليقات : 0

إضافة تعليق