أمة اقرأ...عليها أن تقرأ... محمد شحادة

أمة اقرأ...عليها أن تقرأ... محمد شحادة
دنيا ودين

محمد شحادة

تهول وتفجع تلك الأرقام المتدنية الحزينة عن حقيقة وواقع القراءة والاطلاع في الأمة العربية والمجتمع الإسلامي بشكل عام، حتى أني قرأت جديداً، بأن المعدل حدّد ربع صفحة كتاب كمعدل وسطي يقرأه الفرد في العالم العربي في العام!!

 

وهذا يوضح لنا مدى الكارثة الثقافية والعلمية التي يعيشها المواطن العربي، مقارنة بمواطنين في الدول الأوروبية، كما يؤكد وجود هوة ثقافية شاسعة بين ثقافة المواطن العربي وثقافة المواطن الأوروبي..!

 

ورغم أننا نمتلك رصيدا ضخما وموروثا ثقافيا رائعا وأدباء ومثقفين ومفكرين أثروا حياتنا بآرائهم وإنتاجهم الثقافي، إلا أن كل ذلك لم يعطِ الجيل العربي الحديث المفتاح للإقبال على القراءة.

فهل هذه أمة اقرأ؟

 

القراءة مفتاح العلم , بل مفتاح السعادة في الدنيا والآخرة , وأمة لا تقرأ أمة لا تصرف حاضرها من مستقبلها , أمة لا تأخذ عبرة من ماضيها , ولا تمتد جذورها إلى أصولها , أمة لا تقرأ أمة قد ماتت وكبر الناس عليها أربعا , ويكفي الأمة الإسلامية شرفا أن أول ما ابتدأ به نزول القرآن الكريم قوله تعالى: \» اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)سورة العلق.

 

فقد جمع الله تعالى في هذه الآيات المباركات بين عنصري التعلم : القراءة والكتابة,بل وجعل سورة كاملة من سور القرآن الكريم باسم ( القلم ) .

 

ومع أننا أمة ( اقرأ) لكن للأسف لا نقرأ، وإذا قرأنا لا نقرأ المفيد من الكتب إلا من رحم الله من هذه الأمة، والأغرب من ذلك تقرير إحدى الجامعات في عالمنا العربي الذي أكد أن 72% من خريجي الجامعات يتخرجون دون أن يقوموا باستعارة كتاب واحد من مكتبة الجامعة!.

 

القراءة تفيد الإنسان فـي حياته، فهي توسع دائرة خبراته، وتفتح أمامه أبواب الثقافة، وتحقق التسلية والمتعة، وتكسب الطفل حساً لغوياً أفضل، ويتحدث ويكتب بشكل أفضل، كما أن القراءة تعطي الطفل قدرة على التخيل وبعد النظر، وتنمي لدى الطفل ملكة التفكير السليم، وترفع مستوى الفهم، وقراءة الطفل تساعده على بناء نفسه وتعطيه القدرة على حل المشكلات التي تواجهه.

 

لذا فقد اهتم العلماء بالقراءة , ووضعوا الكتاب في أرفع وأعلى الغايات , فقد جعلوه أنيسا وصديقا ورفيقا .

قال الجاحظ : «الكتاب نعم الأنيس في ساعة الوحدة ونعم القرين ببلاد الغربة، وهو وعاء ملىء علمًا وليس هناك قرين أحسن من الكتاب، ولا شجرة أطول عمرًا ولا أطيب ثمرة ولا أقرب مجتنى من كتاب مفيد، والكتاب هو الجليس الذي لا يمدحك والصديق الذي لا يذمك والرفيق الذي لا يملك ولا يخدعك إذا نظرت فيه أمتعك وشحذ ذهنك وبسط لسانك وجود بيانك وغذى روحك ونمى معلوماتك، وهو المعلم الذي إن افتقرت إليه لم يحقرك وإن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة.

 

ولو لم يكن من فضله عليك إلا حفظه لأوقاتك فيما ينفعك وصونها عما يضرك من فضول النظر والكلام والاستماع والمخالطة ومجالسة من لا خير فيهم، لكان في ذلك على صاحبه أسبغ نعمة وأعظم منة فالكتاب صديق يقطع أوقات فراغك في مؤانسة تنجيك من الوحدة المملة، كما ينقل إليك أخبار البلاد النائية فتعرف أنباءها كما تعرف أنباء بلدتك».

 

قال أحدهم :

لمحبرة تجالسني نهــاري *** أحب إلي من أنس الصديق

ورزمة كاغد في البيت عندي *** أحب إلي من عطر الدقيق

ولطمة عالم في الخد مــني *** ألذ لدي من شرب الرحيق

 

وقال آخر:

نعم المؤانس والجليس كتاب *** تخلو به إن خانك الأصحاب

لا مفشيـاً سراً ولا متكـدراً *** وتفاد منه حكمة وصـواب

ويقول أحدهم في وصف أسفه على كتب العلم:

أجلّ مصائب الرجل العــليم *** مصائبه بأسفار العــلوم

إذا فقُد الكتاب فذاك خطــب *** عظيم قد يجل عن العميـم

وكم قد مات من أسف عـليهـا *** أناس في الحديث وفي القديم

 

وقال عمرو بن العلاء: «ما دخلت قط على رجل ولا مررت بداره، فرأيته في بابه فرأيته ينظر في دفتر وجليسه فارغ إلا حكمت عليه أنه أفضل منه عقلا»، وقيل لرجل ما يؤنسك؟ فضرب على كتبه وقال: «هذه، قيل فمن الناس، قال: الذين فيها».

وقيل لبعضهم: « أما تستوحش؟» قال: «يستوحش من معه الأنس كله؟» قيل وما الأنس؟ قال: الكتب. وقيل لأبي الوليد إنك ربما حملت الكتاب وأنت رجل تجد في نفسك، قال: إن حمل الدفاتر من المروءة.

 

وعُذِلَ بعضُ العلماء في كثرة شراء الكتب، فقال:

وقائلةٍ أنفقتَ في الكُتْبِ ما حَوَت * * * يمينُك من مالٍ فقلتُ: دعيني

لعلِّي أرى فيها كتابًا يَدُلُّني* * * لأخْذِ كتابي آمِنًا بيميني.

 

فهل تعود الأمة إلى طريق الحق والهدى، وتمسك بالعلم والقراءة والاطلاع ، حتى تعود إلى حالها الأول ومجدها التليد، وتأخذ بدينها للتقدم من جديد ، وتقف في أول القافلة ؟

التعليقات : 0

إضافة تعليق