عاشقة فلسطين جين كالدر.. جلال نشوان

عاشقة فلسطين جين كالدر..  جلال نشوان
أقلام وآراء

 جلال نشوان

نسجت عذابات الشعب الفلسطيني، وعاشت القهر والتشرد بكل جوارحها، ربانية ماهرة سبحت في بحور الإنسانية، جسدت الرقة والحنين في الدفاع عن فلسطين، حتى غدت من النوارس البيضاء، ورغم الشقاء والتعب، كتبت مفردات الأمل وإشراقة المستقبل، وأناشيد الغضب والكفاح، أبدعت وهي تعزف لحن الوفاء تصدت لعواصف الغربة، وقررت أن تكون فلسطينية الهوى، رغم نشأتها الأسترالية.

 

شاهدة على كل الأحداث، ومؤرخة لها عبر التطورات المتتالية التي مرت على فلسطين، رأت بأم عينيها الأطفال الذين قضوا شهداء في بيروت حين كانت تنقلهم إلى شواطئ الأمان، واصلت مسيرتها من بيروت إلى القاهرة إلى فلسطين ورأت النازيون الجدد وهم يقتلون الأبرياء، في  مدنهم وقراهم وبياراتهم.

 

أبحرت جين كالدر في رحلة الإنسانية ولم تتوقف طيلة حياتها وعلى صفحة الوجع الفلسطيني نسجت عذابات القهر والتشرد بكل جوارحها، حتى زرعت الأشجار الوارفة الظلال، ورغم بعدها عن موطنها الأصلي، لكنها السنديانة التي تحط عليها النسور بجناحيها.

 

هي طبيبة أسترالية وأيقونة من أيقونات العمل الإنساني الداعم والمناصر لقضيتنا الفلسطينية وحقنا في التخلص من الاحتلال. كرست جل حياتها لخدمة شعبنا وقضيتنا سيما عبر عملها الطبي، وقد عملت لسنوات عميدا لكلية تنمية القدرات الجامعية بغزة، وتعد من المساهمين الأوائل في تأسيس الهلال الأحمر الفلسطيني. بقيت جين كالدر وفية لشعبنا وقضيتنا حتى لحظات حياتها الأخيرة، وهي تصر على البقاء في غزة لمواصلة تقديم رسالتها الإنسانية. قناعتها الراسخة تجاه قضيتنا وثوابتنا الوطنية جعلتها تتلمس جوانب المعاناة التي يتسبب بها الاحتلال.

 

غادرت أيقونة الإنسانية شامخة كبيرة عن عالمنا يوم الاثنين 28 تشرين الثاني/ عن عمر 89 عاماً، في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزّة، بعد خدمة القطاع الصحي والإنساني الفلسطيني عقوداً طويلة. لن ينسى شعبنا الفلسطيني الأصيل الأوفياء الذين وقفوا معه وكرسوا حياتهم من أجل خدمته في الوطن والشتات، ولن ينسى شعبنا عطاءها ونضالها وهي تؤسس في صرح حضاري كبير ساهم في كفكفة الجراح.

 

انها جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني التي تعتبر ضمن مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، والتي بدأت عملها للقضية الفلسطينية في الميدان الطبي والإنساني منذ 41 عاماً. رحلت أيقونة الإنسانية بعد رحلة طويلة من العطاء مع شعبنا، ولن ينسى أنها تطوعت بالفرق الطبيّة، قبل أن تساهم في تأسيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني. مضت بعد أن ساهمت في تعليم الأطفال والعناية بهم، ولعبت دوراً كبيراً في قيادة الفرق الطبية خلال الاجتياح "الصهيوني لبيروت عام 1982، وعرف عنها انقاذها 3 أطفال مجهولي النسب وغير اشقاء، فقدوا أهلهم خلال الحرب. انتقلت أيقونة الإنسانية عام 1995 إلى قطاع غزّة برفقة الأطفال الثلاثة، لتعيش معهم في منطقة خان يونس، حيث وافتها المنية بعد 89 عاماً من العمل.

 

جين كالدر عشقت فلسطين فعشقتها فلسطين، مما جعلها توظف ابداعاتها في خدمة المعاقين، حيث أفنت أربعون سنة من عمرها في غرس البسمة والأمل على شفاه المعاقين وجرحى الانتفاضات منذ حرب بيروت 82.

 

لقد عشقت فلسطين وانحازت بقلبها وعقلها لقضيتنا قبل أن تخالطنا، فاختارت ظروف قاسية يعجز اللسان عن وصفها، بعيداً عن حياة رفاه مجتمعها الغربي. غادرت أيقونة العمل الإنساني جين كالدر ودعتنا، دون عودة. رحلت شامخة عظيمة بعدما جسدت كل عطاء الأمهات.

 

سلام لروحك ولنرفع القبعة احتراماً وتقديرا لتضحياتها وشجاعتها في سبيل خدمة فلسطين قضية الأرض والإنسان. رحلت الطبيبة الإنسانة بعد أن قررت البحث عن الحقيقة، حقيقة الاحتلال الصهيوني الارهابي النازي الذي يقتل الاطفال ويهدم البيوت على رؤوس ساكنيها في فلسطين. سلام لروحك أيقونة الإنسانية

التعليقات : 0

إضافة تعليق