رشوة القرن : المال مقابل الحماية والرضى

رشوة القرن : المال مقابل الحماية والرضى
أخبار العالم

الاستقلال/ مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية

لا يمكن للمرء المتابع لزيارة ترامب للرياض وكل الجلبة المحيطة بها، بما في ذلك تهافت زعماء أكثر من أربعين دولة عربية وإسلامية ليحظوا بفخر الاستماع لرؤية زعيم يقال عنه في بلده "أرعن وفظ"، ويعاني من تحقيقات تضع علامات استفهام كبيرة على مستقبل استمرار إدارته للبيت الأبيض؛ إلا أن يصاب بالدهشة الممزوجة بمشاعر الاحتقار لهؤلاء القادة.

 

الرؤية الترامبية للشرق الأوسط أو الخطاب الوعظي والترهيبي الذي سيلقيه على مسامع المحتفلين به أو الذين جاؤوا لتقديم فروض الطاعة والبيعة أمام عظيم ملوك الأرض، والتي لسخرية القدر كتبها مستشار ترامب، ستيفين ميلر، وهو ذاته الذي صاغ قانون حظر دخول المسلمين لأمريكا؛ ستركز على مواصلة الحرب ضد ما يسميه ترامب "الإرهاب الإسلامي المتطرف" ومحاربة ثقافة التحريض والكراهية والتصدي لعدوة العرب (إيران) ولنفوذها، وشراكة عربية إسلامية - أمريكية وشرق أوسطية للقضاء على خطر الإرهاب وبناء الاستقرار في المنطقة.

 

الأهم بالنسبة للسعودية ولأنظمة بعض الدول العربية هو تصفية آثار عهد أوباما، وضمان الرضى الأمريكي عن أنظمتهم، حتى ولو بثمن فتح خزائنهم أمام القيصر الشاهر نبوته وصاحب اللسان المهدد، والمعادلة بسيطة وسهلة من وجهة نظرهم: المال مقابل الحماية والرضى، وأي مطالب أخرى هي من باب رفع العتب أو متروكة لحسن نوايا ترامب، فهو غير ملزم بأن يقدم لهم أي وعد أو تبنٍ لأي سياسات لها علاقة بالصراع العربي - الإسرائيلي أو بالأحرى الفلسطيني - الإسرائيلي، فبعد ان باتوا يشعرون بأن أنظمتهم باتت مهددة، أصبحوا من وجهة نظرهم مضطرين الآن للدفع بفواتير مختلفة، لجهات مختلفة، لشراء أمن أنظمتهم واستقراراها، الدفع للأمريكان بمئات مليارات الدولارات (460 مليار حسب تلفزيون الجزيرة)، والدفع أيضًا بعملات الأمن والسيادة ومصادرة الإرادة والكرامة، والدفع لإسرائيل بعملة التعاون الأمني والتطبيع، والأهم بعملة التخلي عن فلسطين أو حتى التطوع لممارسة الضغط على القيادة الفلسطينية للعودة عن شروطها وقبول إطلاق مفاوضات مباشرة ومفتوحة، إرضائية لإسرائيل ولأمريكا دون مرجعيات.

 

يمكن لأي شخص أن يتخيل ماذا يمكن لأي دولة جادة ان تفعل بالقليل من هذه المليارات، لو أجادت توظيفها واستثمارها، ولنا ان نتخيل حجم الاستهتار واللا مسؤولية عبر التسرع الذي تم فيه إقرار صفقة القرن، فصفقات بأقل من عشر هذه الصفقة يستغرق التفاوض حولها ودراستها سنوات، ويعكف على إعدادها فريق كبير من الخبراء من شتى الاختصاصات، إسرائيل - التي تعتمد في أحد جوانب تفوقها العسكري على الدعم الأمريكي، الذي بلغ في آخر اتفاقية 35 مليار دولار موزعة على عشر سنوات - استغرقها التوصل لإبرام الصفقة سنوات، ومئات أيام العمل من قبل طواقم متخصصة قبل ان تنتهي عند المستوى السياسي للتفاوض على سقف التمويل وآلياته وإجمال جوانب تفصيلية أخرى كثيرة، أما صفقة ولي ولي العهد محمد بن سلمان أو باسمه المختصر كما يحلو للأمريكان تسميته (م ب س mbs) فلم يستغرقه إعدادها سوى زيارة واحدة للبيت الأبيض، وهي تذكرنا بفضيحة صفقة اليمامة التي جاوزت مبلغ الـ 80 مليار دولار عام 1985.

 

ترامب من جهته - وهو رجل الصفقات - أراد إنجازًا مهمًا وسهلًا وسريعًا دون أية تكلفة، ليؤكد الانطباع الذي سعى إلى ترسيخه بأنه الرجل القادر على الانتصار والفوز، فكانت زيارته إلى السعودية وسيلته الوحيدة لعقد أهم صفقة رابحة له، وليس عجيبًا ان تكون السعودية أولى محطات زياراته بعد تولية رئاسة البيت الأبيض، فأين يمكن له ان يجد مثل هذا الإذعان والخوف والاستسلام، وأن يكون بمقدوره ان يغرف بسهولة من كنوز الخزائن المفتوحة له، حتى بدون أدنى التزام، وربما لو اتيح له الأمر لمدد زيارته للرياض لما شعر به مجد وعظمة وحفاوة لم يشعر بها في بيته.

 

في "إسرائيل" يشعرون بالكثير من مشاعر الارتباك، تمتزج فيها مشاعر الارتياح والحسد والقلق، فالارتياح سببه ان العرب الفزعين والخائفين من نبوت ترامب ولسانه السليط من جهة، ومن فزاعة إيران من جهة أخرى؛ لابدّ أنهم توصلوا لنتيجة ان "إسرائيل" ليست هي العدو، وأنها جزء من الحل والشراكة الإقليمية في مواجهة التهديدات الماثلة أمام أنظمة الخليج، وأن عودة أمريكا بقوة للمنطقة ودخول العرب إلى بيت الطاعة الأمريكي صاغرين خائفين لابدّ ان يشق الطريق أمام فرض السياسات الإسرائيلية مباشرة أو عبر الصديق الأمريكي. كما شعرت إسرائيل بالحسد تجاه أمريكا التي جاءت من خلف المحيط لتغرف المليارات، بينما إسرائيل التي تقوم بكل مقاولات الأعمال السوداء وتتعرض للتهديدات والإدانات لا تحظى إلا بالقليل، ولا زالت مضطرة للاستعانة بالخدمات الأمريكية. وشعور إسرائيل بالقلق مرده الخوف من قدرة مليارات العرب على التأثير في الموقف الأمريكي - على الأقل تكتيكيًا - فيما يتعلق بالصراع مع الفلسطينيين، لذلك تسارع إلى مناقشة مجموعة من التسهيلات لتعزيز مبادرة السلام الاقتصادي.

 

ومن السخرية أنه بينما الرياض كانت مشغولة بتقديم فروض الطاعة لملك الملوك وتوقيع الصفقة الكبرى أو رشوة القرن؛ كانت إيران تتم انتخاباتها الديموقراطية، وتتوج روحاني مرة أخرى رئيسًا لها، متطلعة إلى المستقبل بثقة الواثق من قدراته ومن مؤسساته.

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق