الخيار الوحيد أمامهم

الضائقة المالية.. تجبر الغزيين على بيع مقتنياتهم المنزلية!

الضائقة المالية.. تجبر الغزيين على بيع مقتنياتهم المنزلية!
اقتصاد وأعمال

الاستقلال / جيهان كوارع

مشهد التخطيط والاتفاق لشراء ذلك الأثاث أو ذلك الجهاز الكهربائي، لم ينسَ بعد، وما زالت فرحة اقتنائه تعبق في أجواء البيت، إلا أن مشهداً آخر باغت كل شيء وحمل في طياته نقيضاً لكل ما سبق، ففي ظل الازمة الاقتصادية التي يمر بها الأهالي في قطاع غزة، ازدادت مظاهر الفاقة وانتشر الفقر واتسعت رقعته لينصب تفكير الأسرة في كيفية توفير المصروف اليومي حتى لو كان على حساب جمالية المنزل، ليكون هذا الأثاث هو الضحية.

 

ولسد النفقات اليومية للأبناء لم تجد الكثير من الأسر في قطاع غزة، سوى بيع أثاث المنزل بمختلف انواعه والأجهزة الكهربائية والالكترونية، من أجل تيسير أمور حياتهم بالمبالغ التي يحصلون عليها من بيعها، في ظل تدهور الوضع الإنساني بسبب الحصار الإسرائيلي المستمر منذ عام 2006 والعقوبات المفروضة من الرئيس محمود عباس على القطاع واستمرار أزمة الرواتب وانقطاع الكهرباء ونقص الوقود، والتي تسببت جميعها بخسائر فادحة في جوانب الحياة المختلفة في القطاع.

 

ووصل معدل الفقر في القطاع إلى حوالي 80%، بينهم نحو 65% تحت خط الفقر، مع ارتفاع نسبة البطالة إلى أكثر من 50%، نصفهم من الشباب خريجي الجامعات، بالإضافة إلى وجود 17 ألف يتيم بحاجة إلى رعاية غير متوفرة؛ بسبب إغلاق الحسابات المصرفية للجمعيات الخيرية ومنع تحويل الأموال والتبرعات إليها، كما أن الإغاثة الطارئة لم تعد متاحة، رغم احتياج ثلاثة أرباع سكان القطاع إليها وذلك حسب إحصاءات لمنظمات ومؤسسات حقوقية.

 

دوامة الدين

 

"هذا اللابتوب بآخذه منك بـ 500 شيكل ، يعني بتخسر فيه " هذه العبارة التي سمعها الشاب كامل جرغون ( 27 عاماً) عندما طرق كل أبواب المحلات لبيع حاسوبه الشخصي والذي لم يمضِ على اقتنائه سوى عام واحد أو أقل.

 

جرغون أوضح لـ "الاستقلال" أنه يمر بأزمة مالية خانقة نتيجة تراكم الديون عليه بعد أن أصبح عمله لا يجنى له القدر المطلوب من المال، لافتاً إلى أنه يعمل في إحدى المكتبات ويحتاج حاسوبه لتسهيل أمور العمل، ورغم ذلك اضطر لبيعه لينقذ نفسه من دوامة ملاحقات أصحاب الديون.

 

وقال جرغون : «ما في اليد حيلة ، هذا اللابتوب اشتريته بـ 1500 شيكل وسأبيعه بأقل من نصف الثمن»، مشيراً إلى أنه سيواجه مشاكل في عمله في المكتبة  في الأيام القادمة لكون هذا العمل مرتبطاً باستخدام الحاسوب.

 

جرغون أكد أن الصعوبات التي أعقبت بيع جهازه لم تنته بعد، مضيفاً : «لدي اثنان من الاخوة واحد بالجامعة والأخر بالثانوية العامة وكان اللابتوب يساعدهما بدراستهما ويعتمدان عليه بشكل كبير، لكن الآن أصبحا فاقدين لكل شئ ".

 

لسد الحاجة

 

كم مرة نهرت اطفالها وحذرتهم من الاقتراب من العجانة حتى تبقى جديدة ولا تتعطل، حتى تغليفتها لم ترمها بل حافظت عليها وتركتها كما هي، ولكنها لم تعلم أن هذه المحافظة لها فائدة غير التي كانت تتوقعها منذ أن امتلكت هذه الآلة الحديثة قبل عامين.

 

ولا أحد يمكنه أن يقيس مدى الدهشة والتعاسة التي اعتلت ملامحها عندما تلا زوجها على مسامعها قراره ببيع العجانة واستغلال مالها في توفير احتياجات البيت الاساسية والتي لا استغناء عنها، المواطنة ميسون الدالي(49 عاماً) أكدت أن أجهزة بيتها التي طالما سهلت عليها الاعمال المنزلية تنتظر دورها للبيع في أسواق المخراز بسبب سوء الوضع المالي التي تمر بها واسرتها.

 

وقالت الدالي :"  كنت اعتمد على العجانة في تجهيز الخبز لأولادي لأني أعاني من غضروف عظمي ولا استطيع العجن يدوياً، ورغم ذلك قمنا ببيعها قبل أيام بسبب ضيق المعيشة التي نعاني منها ".

 

وأشارت الدالي، إلى أن أمر الاستغناء عن هذه الآلة صعب جداً ، متابعة :" مرت علينا أيام ما معنا نجيب طحين نحطه بالعجانة ونعمل خبز، هذا غير دفاتر الدين بالدكاكين ولكي نستر حالنا بعناها وخسرنا بحقها اكثر من النصف".

 

وعلى خطا بيع آلة العجن تفكر الدالي في بيع المدفأة الكهربائية التي تملكها، معللة بقولها :" احنا على ابواب فصل الصيف ومش محتاجين نستعمل الدفاية وعلى الشتاء القادم يكون ربنا فرجها ونحاول نجيب وحدة غيرها ". وعبرت الدالي عن أسفها من وصولها لهذا الحال ، مؤكدة أن كل هذه تبعات للوضع الاقتصادي الصعب الذي يمر به قطاع غزة دون رأفة من المسؤولين عن ذلك الوضع لقسوة ظروفهم المعيشية.

 

وقت حرج

 

بدوره لفت الخبير الاقتصادي معين رجب، إلى أن اتجاه بعض الغزيين لبيع الاثاث والمقتنيات الرئيسية في المنزل أصبح أمراً منتشراً في المجتمع الغزي، موضحاً أن رب الأسرة مجبر على تلبية احتياجات اسرته وتوفير لقمة عيشهم ولديه التزامات وعليه مسؤوليات.

 

وقال رجب لـ "الاستقلال" :" اذا توقفت مصادر الدخل ، يبحث الفرد عن أي وسيلة سواء بالاستدانة او استرداد ديونه من الاخرين او بيع ما لديه من مدخرات ، وفي نهاية المطاف اذا لم يتوفر لديه ما سبق يكون أمامه خيار صعب وهو التصرف بأساسيات البيت من الاجهزة والاثاث وبيعها". ونوّه رجب إلى أن الفرد يكون حينها في وقت حرج للغاية فمتطلبات الحياة اليومية لا تقبل التأجيل كالطعام والشراب ولا يستطيع أن يلجأ للشراء من خلال الدين لأنه مطلوب سداده وله حدود.

 

وأكد رجب، أن يبع مقتنيات المنزل لا يمثل حلاً جذرياً للأزمة والمعاناة ولكن الاعباء الكثيرة والحالة الصعبة تضطر الإنسان للمضي بهذه الخطوة دون رغبة منه، وتجعله يضحي بشيء هو في حاجة له من أجل توفير شيء اهم منه.

 

ظاهرة منتشرة

 

وفيما يتعلق بأسباب انتشار هذه الظاهرة أوضح أن للظروف الاستثنائية التي فرضها الحصار والانقسام وتعطل المصالحة وارتفاع معدلات البطالة وعدم توفر فرص عمل وكذلك الممارسات الاسرائيلية للتضيق على الفلسطينيين دوراً في تفاقم الظاهرة.

 

وعن تبعات اتجاه الافراد لهذا السلوك عقب رجب بقوله :"كون هذه الاجهزة مستعملة يعني أنها لا تدر دخلاً مغرياً وتباع بثمن متدنٍ، وتجلب لصاحبها الحزن والأسى نظراً لحاجته للمال فلا يجده الا من خلال بيع جزء من مقتنياته وفي المستقبل يكون مضطراً لإعادة شرائها وتزيد عليه الاعباء عما كانت عليه بالسابق ".

 

وأشار رجب إلى أن المواطن امامه خيارات ضيقة لتجاوز هذا السلوك بالبحث عن فرصة عمل مهما كان عائدها ضئيلا، مستدركاً أنه في المرحلة التي نعيشها يتعذر ايجاد أي شيء ولو كان قليلا وبالتالي تزيد حالات الاحباط وتجعل المواطن يبذل جهداً اكبر من طاقته باجر قليل .

 

واعتبر رجب أن الرئاسة الفلسطينية هي الراعي للمجتمع ككل وهي التي تتحمل مسؤولية التيسير على المواطنين ليجدوا فرص عمل ومصدر دخل، متابعاً :" ليس من مسؤوليتها توزيع اموال المعونات فقط بل ايضا يقع عليها تقديم كل التسهيلات لتتاح الاعمال امام الناس ببساطة ".

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق