صلة الأرحام.. بين الدين والعادات الاجتماعية

صلة الأرحام.. بين الدين والعادات الاجتماعية
دنيا ودين

بسام محمد

تُعتَبَر صلة الأرحام بابًا من أبواب البر والخير والإحسان في رمضان وفيما سواه. وقد ورد في فضلها العديد من الأحاديث النبوية. فهي مشتقة من اسم الله تعالى (الرحمن)، ومن دلال الله لها أنه يوصل من وصلها ويقطع من قطعها. قال عليه الصلاة والسلام: قال الله: «أنا الرحمن وهي الرحم، شققت لها اسمًا من اسمي، من وصلها وصلته، ومن قطعها بتته». بل لعلو شأنها معلقة بعرش الرحمن. هذه المرة جاء القول على لسانها فيما يخص الوصل والقطع. قال عليه الصلاة والسلام: «الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله». بل اعتبرت صلة الأرحام علامة من علامات الإيمان. «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه». كما اعتبرها عليه الصلاة والسلام واحدة من سبل تسهيل دخول المرء جنة الخلد بسلام، فقال: «يا أيها الناس أفشوا السلام بينكم، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلّوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام». بل اعتبرت صلة الأرحام من أسباب زيادة الرزق ومباركة النسل. «من سره أن يبسط له في رزقه، أو ينسأ له في أثره فليصل رحمه». في المقابل حذر الله تعالى من العودة لسلوك الجاهلية حيث الإفساد في الأرض وقطع الأرحام، فقال: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ}[محمد:22].

 

في رمضان أكثر من غيره من الشهور يُكثِر الدعاة والخطباء الحديث عن صلة الأرحام وحث الناس عليها لما لها من مكانة عظيمة في ديننا كما بينا جانبًا منها في الأحاديث السابقة. لكن توجد لنا عدة ملاحظات على هذه الصلة نوجزها في النقاط الآتية:

 

الملاحظة الأولى: جُل الناس يقصرون في صلة الأرحام طوال العام بسبب مشاغلهم فيسعون لمعالجة هذا التقصير في رمضان، بل بعضهم يضع جدولًا زمنيًا على مدار الشهر كي يطوف على أرحامه ويرمم علاقاته معهم. لكن مع ضنك العيش والظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها سكان قطاع غزة بسبب (الحصار، وقطع رواتب البعض وتأخر صرفها للبعض الآخر، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة) صار الكثيرون يرون في صلة الأرحام عبئًا اقتصاديًا جديدًا لا تحتمله ميزانية الأسرة الهزيلة فيحجمون عن الصلة. هذا الإحجام ليس قطيعة، ولا ناجمًا عن خصومة وشحناء، إنما بسبب متطلبات هذه الصلة (الهدية). من خلال حديثي مع الناس قال بعضهم: «هذه السنة أوقفت صلة الأرحام؛ لأن الميزانية لا تسمح». وقال غيرهم: «هذه السنة ضيقت زيارات الأرحام على ناس محدودة جدًا. الميزانية لا تسمح، ما بقدر أزورهم كلهم مثل كل سنة».

 

مما اعتدنا عليه في مجتمعنا من «العيب» أن يذهب الزائر للمزور ويده خالية من هدية هذا من جانب، من جانب آخر أحيانًا تقرأ في تعبيرات وجه المزور عدم رضاه عن زائر خالي اليدين من هدية.

 

لا شك أن للهدية فوائد اجتماعية عظيمة فهي تقرب المسافات، وتؤلف القلوب، وتزيل الشحناء. قال عليه الصلاة والسلام: «تهادوا تحابوا». كما أن الهدية تختلف باختلاف المهدى له والمناسبة الاجتماعية. ليس كل من نزورهم نهديهم نفس الهدية، فهدية الوالدين ليست كهدية الأبناء، أو الإخوة، أو الصديق. وهدية المريض تختلف عن هدية المولود، أو البيت الجديد، أو الترقية الوظيفية أو العلمية...إلخ. أما للمزور أقول: لا تنظر إلى يدي الزائر بعين مادية (أهداك أو لم يهدك، أو ماذا أهداك؟). لكن انظر إليها من زاوية أخرى إيجابية. (تذكرك فزارك.. قدَّرك وسعى إليك.. بادرك بالزيارة قبل أن تبادره.. ما جاء لزيارتك إلا لِعِظَم قدرك عنده).

 

الملاحظة الثانية: بعض الناس لا يزور رحمه إلا إذا هم بادروه بالزيارة. فزيارته لهم سداد دَين اجتماعي. بعضهم يسجل في ذاكرته أو دفتره أنه زار فلاناً مرة، واثنتين، وثلاثاً فلم يرد فلان له الزيارة قَط. فقرر مقاطعته وعدم زيارته. قال عليه الصلاة والسلام: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها».

 

الملاحظة الثالثة: زيارات الأرحام في رمضان عند البعض تدخل في نطاق العادات الاجتماعية أكثر منها عبادة دينية. عادة تعوّد على إتيانها في هذا الشهر سنويًا. أقول لأولئك اجمعوا الحسنيين معًا (الزيارة والهدية)، وخصوا بالزيارة المحتاجين والمساكين من الأرحام. وجددوا النية عملًا بحديث رسول الله: «الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة».

 

الملاحظة الرابعة: جيد أن تصل رحمك. لكن تحيّن الوقت المناسب للزيارة. الذي نلاحظه أن الأغلبية ليس لديهم متسع في النهار للزيارة فيؤجلها لما بعد الإفطار أو التراويح. والأخيرة من أوقات النهي عن الزيارة. قد يترتب عليها مشقة لأسرة المزور، ربما تضيع التهجد لمن يتهجد، أو تفوت السحور.

 

خلاصة القول: توجد ممارسات يأتيها الأفراد كعادة اجتماعية، رغم عِظَم أجورها في ديننا كـ(صلة الرحم، وزيارة المريض، والإصلاح بين المتخاصمين...إلخ). احرص أن تجني الفائدتين معًا. نيل الأجر من جهة، والمحافظة على ممارسة سلوك اجتماعي حسن من جهة أخرى.

(تقبل الله طاعاتكم وصالح أعمالكم).

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق