الصوم .. أكثر من مجرد جوع وعطش !... بقلم: الشيخ نافذ عزام

الصوم .. أكثر من مجرد جوع وعطش !... بقلم: الشيخ نافذ عزام
دنيا ودين

الشيخ / نافذ عزام

لم تكن العبادات يوماً مجرد طقوس وشعائر باردة ولم تكن حتى محاولة لتطهير الفرد بمعزل عن الجماعة والأمة ، بل أكد الإسلام دوماً على البعد الجماعي والاجتماعي للعبادة، واعتبرها وسيلة لإصلاح الفرد باتجاه إصلاح المجتمع فإذا قصر الإنسان على ذاته فقط حدث الخلل ولم يظهر أثرها في المجتمع هذا الكلام ينطبق على العبادات كلها، طلاة وحجاً وزكاةً وصياماً .

 

وطالما أننا نعيش شهر رمضان فسنتحدث عن الصوم الذي يمثل صورة صادقة عن العبادة وما يمكن أن تنتجه في الواقع، فمنذ البداية تحدث الحق تبارك وتعالى عن الهدف الأسمى للصوم الذي يفترض أن يجتهد الناس للوصول إليه "يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام، كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" التقوى ليست حالة جامدة  يعيشها الإنسان ويعبر عنها  من خلال أخلاقه وسلوكه ومدى انفعاله بهموم الناس وقضاياه ، التقوى سلوك قبل أن تكون شعوراً داخل الفرد، التقوى حيوية كبيرة بالتعبير عن العبادة والقيام والأخلاق التي لا ينفصل أحدها عن الآخر، لذلك ذكرت هنا كهدف كبير للصوم ، وذكرت في مواضع عدة في القرآن الكريم كخلق مرافق للعبادة والسلوك العام فذكرت في معرض الحديث عن الحج، وعن ذكر القصاص والهدف منه وحتى في القتال كانت التقوى حاضرة في الطلاق وكتابة الوصية في الدين والإقرار وفي الربا وفي الحديث عن أشكال البر والتقوى حاضرة في كل شيء في عباداتنا وحياتنا ، ولا يعقل أن يكون المقصود مظهراً وشكلا وثياباً والسؤال كيف يمكن للصوم أن يساعد الإنسان للوصول إلى التقوى؟

 

إذا تأملنا توجيهات النبي – صلى الله عليه وسلم-  حول الصوم سنكتشف الإجابة ومعها سنتكشف جزءاً من عظمة هذا الدين وسنرى مدى حرصه على الإيجابية التي يراد من العبادة إيجادها وتعزيزها ، يقول في واحد من هذه الأحاديث " ليس الصيام عن الأكل والشرب، انما الصيام عن اللغو والرفث ، فإن سابك أحد أو جهل عليك ، فقل : إني صائم".

 

وفي حديث آخر "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش" ، ويقول معززاً دور الصوم في تهذيب السلوك وتخليص الفرد والجماعة من الأمراض والآفات " من لم يدع قول الزور ، والعمل به فليس لله حاجة من أن يدع طعامه وشرابه ".

 

وفي طريق الوصول للتقوى ، يريد الإسلام من خلال الصوم تخليص الإنسان من عيوبه وأخطائه ، يقول له إن الصوم لا يعني الصبر و على الجوع و العطش بل يعني أساساً مقاومة  كل أشكال الخطأ والانحراف.

 

الزور هنا تعبير عن واحد من أسوأ أشكال الخطأ والإنحراف : الزور يعني الكذب والتضليل.. يعني التمويه عن الحقيقة يعني نشر البهتان يعني قلب الأمور وخداع الناس، يعني تشويه الآخرين .. وهي صفات ومسائل يومية في حياتنا.

 

وبخطاب بسيط بعيد عن الفلسفة والتعقيد، يقول لك النبي "صلى الله عليه وسلم" : «إذا أردت أن يكون صومك مقبولاً ، وإذا أردت أن يقربك الصوم والتقوى فعليك أن تترك هذه المسالك الخاطئة ، وإلا فلا حاجة للصوم ولا قيمة لهذه العبادة» .

 

الإسلام هنا يأخذنا إلى قضية هامة وإلى معنى العبادة في الحياة ، لا قيمة ولا معنى لأية عبادة إذا لم يرافقها سلوك قويم وخلق رفيع ، لا قيمة للصوم فعلاً إذا لم ينه صاحبه على الكذب والغيبة والتحريض عن الكراهية وربما غالى بعض العلماء والأئمة حين قالوا إن الغيبة مثلاً تبطل الصوم! لكن ذلك يدلل على مدى خطورة تلك الآفات على العبادة وعلى المجتمع بشكل عام .

 

وفي حديث آخر يقول النبي "صلى الله عليه وسلم" : " إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحدٌ أو قاتله ، فليقل إني صائم" وهذا الحديث يعد أساساً لسلوك الإنسان تجاه غيره، الإسلام يحرص  على تماسك المجتمع وقوة الجبهة الداخلية، ووجه العبادة لتساعد في تحقيق  هذا الهدف وهنا ينهى النبي "صلى الله عليه وسلم" عن الرد على السباب والمناكفة حتى لو كنت صاحب حق ، حفاظاً على الوضع الداخلي ومنعاً لحدوث التشققات والمناكفات ، الصوم الحقيقي هو تأكيد لمقاومة الرفث واللغو الباطل هو النأي بالنفس عن الجدال العقيم والضجيج والصخب ، وهو ضبط للغضب والانفعال حتى لو تعرضت لما يسبب الغضب والانفعال .. والسؤال المحرج والموجع والمخجل، أين معنى هذا الحديث من حياتنا وواقعنا ، إذا كان هناك فهي عن مجرد الانفعال والرد على السباب بسباب، فكيف نفسر ما يجري في الساحة الفلسطينية وفي كثير من العواصم ومدن الوطن العربي والإسلامي؟ إذا كان هناك نهي عن الرفث والصخب والسباب فكيف تستمر دورة العنف هذه التي تعصف بالعرب والمسلمين.. قد يكون من الضروري الحديث في شهر رمضان عن العبادة التي تسمو بالإنسان من خلال كبح شهواته ورغائبه، قد نرى مظاهر للاحتفال بقدوم الشهر المبارك، لكن من حقنا أن نتساءل عن مصداقية ذلك كله ونحن نرى استمرار العنف في بلاد العرب والمسلمين؟ ونحن نرى عدم الاحترام لقدوم هذا الشهر باستمرار المناكفات والصراعات والقتل والقصف والتفجير والسجون والتعذيب وترويع الناس.. إننا نفرغ الصوم من مضمونه عندما نتمسك بالشكل ونغض الطرف عن ماهية الجوهر.. ما معنى الصوم ونحن نرى الفقر والجوع والفاقة مستشرية، ونرى في الوقت ذاته ما تفعله الدول والحكومات بذخاً وترفاً وإنفاقاً على البهرجة والمظاهر، ماذا يتبقى من الصوم إذاً؟

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق