مرايا

تأملات في التعبير القرآني

تأملات في التعبير القرآني
دنيا ودين

عبد الله الشاعر

جاء في سورة مريم قوله تعالى  :

"وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) مريم.

أليس لافتاً أن يتم توصية عيسى – عليه السلام -  بالصلاة والزكاة وهو ما زال  في المهد  طفلاً ؟

ربما يقول قائل : إن تنفيذ الوصية بالصلاة والزكاة مرتبطٌ بوصوله مرحلة الرشد والتكليف  ، لكن ما قيمة قوله " ما دمتُ حيّاً " ألا تدل على وجوب تنفيذ التوصية بالصلاة والزكاة ما دام على قيد الحياة دون ارتباطها برشدٍ أو بلوغ.

 

ثم ألا يدل قوله عليه السلام : " وبرا بوالدتي " على رشدٍ مُبكّر ؟

علينا التذكّر ابتداءً أن عيسى عليه السلام – كان استثناءً في أمور كثيرة : في ولادته من غير أب ، وفي نطقه المبكّر في المهد ، وفي رفعه إلى الله ، وفي عودته للأرض مستقبلا ، لذلك فإنه يغلب على ظني أن التكليف لسيدنا عيسى  ابتدأ منذ ولادته  ، ومعها ابتدأت معجزاته عليه السلام .

 

ألم يؤتِ الله يحيى الحكم صبيا ؟ " يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا  "

إن التكليف بالصلاة مرتبطٌ بالإيمان واليقين ، وعيسى منذ عرف ربه كان مؤمنا وموقنا فشرع يصلي له . وإن الزكاة هي صفةٌ نفسيةٌ ترتكز على العطاء ، وهذه تبدأ في الإنسان منذ طفولته ، ولهذا كانت جليّة في عيسى عليه السلام .

 

مسألة أخرى تتعلق بقوله : "وبرّا بوالدتي "  فمن الناحية الصرفية فإن كلمة " برّا " هي صفة مشبّهة ، وهي هنا أكثر دلالة من اسم الفاعل " بارّاً " فالصفة المشبهة أدوم وألصق بصاحبها ، وهذا يعني أن برّه بوالدته صفة دائمة ، وليست متقلبة .

 

إن بر الوالدين هو خلق نفسي يبدأ في الإنسان شكرا منذ يبدأ إدراكه الأولي لمعنى الوالدين ، لهذا يبدأ الأطفال بإظهار المحبة للوالدين قبل أن يتموا عامهم الأول دون إدراك ، ولتحقق الإدراك في حالة نبي الله عيسى عليه السلام - بدأت منذ ولادته ولازمته ما دام حيّا

 

أما قوله : " بوالدتي " ففيه دقة بالغة واختيار محكم ؛ فمن العادة أن يقول الواحد منا  : أنا بارّ بأمّي ، ولا نقول : بوالدتي ، فقد تكون الأم أمّاً في الرضاعة ، وليس هناك والدة في الرضاعة ، كما إن في استعماله لكلمة والدتي تذكير بأهليتها للبرّ فهي التي حملته كُرْها ووضعته كُرْها ،وحملته وهناً على وهن ، وهي التي عانت ما عانت في أثناء إنجابه ، وكأن عيسى عليه السلام يذكرنا بمعاناة الوالدات ليعزز فينا أصالة البرّ ، ويُرسّخه.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق